القاضي النعمان المغربي
108
المناقب والمثالب
فقاموا إليه فقالوا : مالك يا أبا الحكم ؟ قال : لمّا دنوت منه عرض لي فحل من الإبل واللّه ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه فاغرا فاه إلي ، ما ظننت أني أنجو منه . فقال بعضهم لبعض : قد واللّه نزل بنا من محمد ما لم ينزل بقوم من رجل قبله « 1 » . وجعلوا يذكرون ما نقموا عليه فلم يروا إلّا التشديد على من اتبعه منهم ، فجعل كل قوم منهم ينالون ممّن أسلم من جماعتهم ويعذبونهم ويضربونهم ويؤذونهم ، فشكوا ذلك إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فأذن لهم في الهجرة إلى أرض الحبشة ، فخرج جماعة منهم وكان ذلك سبب إسلام النجاشي لمّا صاروا إليه ، وأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بعض من هاجر منهم أن يدعوه ، وكان عدد من هاجر من المسلمين إلى أرض الحبشة ثلاثة وثمانين رجلا سوى من معهم من نسائهم وأولادهم ، فأحسن النجاشي نزلهم وبرهم وأكرمهم ونبذ من جاء من مشركي قريش . [ إلى أرض الحبشة ] وقيل : إن بني عبد شمس لمّا رأوا ذلك تحيّروا من دهاتهم ، وأفضل من فيهم عمارة بن الوليد وعمرو بن العاص لعنهم اللّه ، وجمعوا مالا عظيما فاشتروا من ألطاف الحجاز وهدايا كثيرة ، وبعثوا بها معهما إلى ملك الحبشة وإلى جميع رجاله فخرجا بالهدايا ، فلمّا وصلا إلى أرض الحبشة أوصلا إلى بطارقة النجاشي هداياهم وأوصلا هديته إليه ، وذكرهم البطارقة له فأدخلهما إليه فقالا : أيها الملك إنه قد صار إلى بلادك منّا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك ، وأتوا ببدعة لا تعرفها أنت ولا نحن ، وقد أرسلنا إليك أشراف قومنا من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم .
--> ( 1 ) - السيرة النبوية لابن هشام : 1 / 194 ، دلائل النبوة للأصبهاني : 197 ، عيون الأثر : 1 / 142 .